شكيب أرسلان

363

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

قلت : إنّ جبل الفرع وجبل الشرف وجميع الشعاف والشناخيب التي هناك هي داخلة تحت اسم غزوان ، ولقد سألت الأهالي عن درجة البرد في الشتاء والربيع في تلك الجبال الشامخة فقالوا : إنّ الماء يجمد فيهما دائما ، ولكنّه لا ينزل فيها الثلج المعروف ببلادنا الشامية « 1 » ، وذكروا أنّه ينزل عندهم صقيع أبيض يجدونه صباحا قد غطّى الأرض . لغة ثقيف وهذيل في هذا العهد وأما عربية الأهالي ثقيف وهذيل فنقية ، وكيف لا ، وثقيف مضرب المثل بفصاحتهم يقال : شاعر ثقفي ، ويقال مثل آخر : أكثر من شعراء هذيل . وكان عمر يقول : لا يملي مصاحفنا إلا غلمان قريش وثقيف ، وكان عثمان يقول عند جمع القرآن : اجعلوا المملي من هذيل ، والكاتب من ثقيف . ومررت بسانية في الفرع ، يديرها شاب لا يتجاوز العشرين ، فأخذت أحادثه وأسائله عن الفرع فقال لي : سقى اللّه الفرع ، فيها من فضول اللّه ما لا يحصى . أعجبني جدا كلامه ، وقوله : ( سقى اللّه الفرع ) هذه العبارة الشعرية ، ثم قوله : ( فضول اللّه ) ولو كان من أهل بلادنا الشامية لقال : أفضال اللّه . فجمع فضل على أفضال خطأ ، وصوابه فضول ، كما قال الشاب الفرعي الثقفي . وحسبك أنّ أدباءنا وقعوا في هذا الخطأ فضلا عن عوامنا ، وانتقد أحمد فارس الشدياق على ناصيف اليازجي - وكلاهما من مفاخر سورية - قوله : مضى يجمع الأفضال وهي عبيده ولكنّ عند ثقيف وهذيل لغة لم أقرأ عنها في كتاب ، ولا سمعت بها

--> ( 1 ) السبب في ذلك أنّ بلاد الشام يكثر فيها بخار الماء المتصاعد من البحر والأنهار ، وجبال الطائف بعيدة عن البحر ، وليس فيها أنهار كأنهار الشام .